الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

395

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لم تستطيع العلوم البشرية الوصول إلى كنه حقيقتها ورفع الستار عن أسرارها لتخطو إلى أعماق مجهولاتها ، ولتعرف كيف يمكن لعناصر الطبيعة وموادها الجامدة أن تطفر طفرة عظيمة فتتحول إلى كائنات حية . قد يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان أن يصنع كائنا حيا باستخدام التركيبات الطبيعية المختلفة وتحت ظروف معقدة خاصة ، وبطريقة تركيب أجزاء مصنعة ، كما يفعلون بالمكائن والأجهزة ، غير أن قدرة البشر " المحتملة " في المستقبل لا تستطيع أن تقلل من أهمية مسألة الحياة وتعقيداتها التي تبدأ من المبدع القادر . لذلك نجد القرآن - وفي معرض إثبات وجود الله - كثيرا ما يكرر هذا الموضوع ، كما يستدل أنبياء عظام كإبراهيم وموسى - على وجود مبدأ قادر حكيم بمسألة الحياة والموت لإقناع جبابرة طغاة مثل نمرود وفرعون . يقول إبراهيم لنمرود : ربي الذي يحيي ويميت ( 1 ) ، ويقول موسى لفرعون : وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ( 2 ) . ينبغي ألا ننسى أن ظهور الحي من الميت لا يختص في بداية ظهور الحياة على الأرض فقط ، بل يحدث هذا في كل وقت بانجذاب الماء والمواد الأخرى إلى خلايا الكائنات الحية ، فتكتسي كائنات غير حية بلباس الحياة ، وعليه فإن القانون الطبيعي السائد اليوم والقائل بأنه لا يمكن في الظروف الحالية التي تسود الأرض لأي كائن غير حي أن يتحول إلى كائن حي ، وحيثما وجد كائن حي فثمة بذرة حية وجد منها هو قانون لا يتعارض مع ما قلناه ، ( فتأمل بدقة ) ! ويستفاد من روايات أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في تفسير هذه الآية والآيات المشابهة لها ، أن ذلك يشمل الحياة والموت الماديين كما يشمل الحياة والموت

--> 1 - البقرة ، 258 . 2 - طه ، 53 .